السيد كمال الحيدري

338

أصول التفسير والتأويل

والتدبير ، لانصرف كلّ إله إلى الذي خلقه لتدبيره ، فينعزل هذا الجزء من العالم عن ذاك وهكذا . قرّر الطباطبائي حجّة هذه الآية بقوله : « إنّه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتاً متبائنين حقيقةً ، وتباين حقائقهم يقضى بتباين تدبيرهم ، فتتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض » « 1 » . نخلص من جميع ما مرّ إلى إثبات ما نصّت عليه الآية في الأمر الأوّل من التلازم بين تعدّد الآلهة والأرباب وفساد النظام الكوني ، إذ يلزم من التعدّد فساد هذا النظام الواحد الذي يبسط بأواصره الارتباطية بين أجزاء الكون . أمّا الأمر الثاني ، فالتساؤل الذي ينبثق هنا بعد تمامية الأمر الأوّل ؛ مفاده : هل النظام الذي يحكم العالم هو نظام متقن وليس نظاماً فاسداً ؟ إنّما يُثار هذا السؤال جرياً على مقتضيات القياس الاستثنائي ، فالمطلوب في هذه الخطوة أن يثبت بطلان التالي أي لا يوجد فساد ، ليصار إلى النتيجة المطلوبة . إذاً لا يوجد تعدّد الآلهة ، إذ سبق القول أنّه لابدّ في القياس الاستثنائي من إثبات التلازم بين المقدّم والتالي ( وقد ثبت في الأمر الأوّل ) ، ثمّ نثبت بطلان التالي ، حتّى نأخذ النتيجة متمثِّلة ببطلان المقدّم ، أي بطلان تعدّد الآلهة « 2 » . يجيب القرآن صراحةً على السؤال المُثار بقوله تعالى : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ( النمل : 88 ) وهو نصٌّ ممتلئ الدلالة على أنّ النظام الموجود

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 14 ص 267 . ( 2 ) يُنظر بحث توحيد الربوبية في التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته ، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري ، جواد على كسّار ، الطبعة الرابعة ، دار فراقد للطباعة والنشر ، 1424 ه : ج 3 ص 316 ، ص 323 .